الوعد الحق

كتب / خالد عاشور

الوعد قد يكون كلمة تقال لكنها عند الرجال تطير دونها الرقاب وتكون كالسيف المسلط على رقابهم ، فهؤلاء يعرفون قيمة الوعد وقدره ومدى تعلق الموعود به ، لذا من لا يستطيع أن يفي بالوعد فلا يعد حتى لا يكسر القلوب ويحبط النفوس ، وهذه قصة حقيقية رغم غرابتها إلا أنها تبين مدى إصرار وعزيمة صاحبها ومدى ٱيمانه بالوعد الذي قطعه على نفسه .

في سنة 1988 ضرب زلزال عنيف دولة أرمينيا حيث كانت قوته 8.2 ريختر ! …
دمَّر البلد حرفياً و بسببه مات أكثر من 30 ألف شخص في لمح البصر في أقل من 4 دقائق ، وكالة الأنباء الأرمينية كتبت على حلقات منفصلة قصص حقيقية عن أناس الزلزال غيّر حياتهم للأبد .

منهم زوج ترك زوجته في البيت بعدما تأكد من سلامتها و خرج يجري الى المدرسة التي فيها ابنهم لكي يرى ماجرى له ، وصل و وجد المدرسة أصبحت ركام تماما ، أخذ الصدمة العنيفة هذه بهيستريا و صراخ و سقط على ركبته و هو يلطم عندما تخيل مصير إبنه ، فجأة قام و تذكر إنه دائماً كان يعد إبنه و هو يمرجحه أو و هو يعلمه السباحة أو و هو يعده لإمتحان صعب بجملة واحدة ثابتة ، ( مهما كان الأمر ؛ سأكون دائماً هناك إلى جانبك ⁦⁩ ).

ثم نظر على كومة الأنقاض و الطوب المكومة فوق بعضها ، قام هرول نحو الأنقاض ، و جلس يحسب بالتقريب الفصل الذي يدرس فيه إبنه ، تذكر أنه كان في الجزء الخلفي من المبنى ناحية اليمين ، راح ناحية الحطام هناك و بيده العارية و بدون أي أدوات بدأ يحفر فيه و يزيل الأنقاض ! .
طبعًاً الموضوع كان مستحيل بالعقل و المنطق ، بعد لحظات جاء أبوين آخرين يبحثان عن أطفالهما أيضًا ، حاولا أن يجراه و هما يبكيان و يلطمان و قالا له : ( لقد فات الأوان ؛ لقد ماتوا جميعاً ، لا فائدة مما تفعله ، ماتوا ) .. خلص يده من أيديهم بالقوة و ركض مره أخرى إلى مكان الأنقاض و نظر لهم و قال : ( هل ستساعدونني ؟ ) .. طبعاً و لأن كل واحد فيه من الحزن ما فيه تركاه و قالا عنه مجنون وقد ذهبت الصدمة بعقله ، لكنه ضل ينزع الأحجار حجر حجر.

أتت المطافيء .. ضابط المطافيء تأثر لمنظر الأب و مسكه و حاول إبعاده عن ما يعمل و قال له : ( سوف تشتعل النيران و سوف تحدث إنفجارات فى كل مكان ، أنت في خطر حقيقي رجاءاً عُد إلى منزلك ) .. الأب خلص نفسه من الضابط أيضا وركض إلى الأنقاض و نظر للضابط و قال له : ( هل ستساعدونني ؟ ) ، الظابط يأس منه و تركه و ذهب لأعماله ، الشئ الوحيد الذي كان أمام عين الأب هو وعده لإبنه ، ظل يحفر مدة طويلة 8 ساعات .. 12 ساعة .. 24ساعه .. و في الساعة الـ25 نزع حجر ضخم فظهر تجويف ، صرخ بعلو صوته بإسم إبنه :
( آرماند ) اتاه رد من إبنه بصوته بدون أن يراه : ( أنا هنا يا أبي ؛ لقد أخبرت زملائي أنك ستأتي لأنك وعدتني ” مهما كان الأمر ؛ سأكون دائماً هناك إلى جانبك ” و ها قد فعلت يا أبى ⁦ )

أبوه مد يده و هو يرفع الأحجار بقوة و يزيلها بحماس مضاعف :
( هيا يا ولدي ؛ أخرج هيا )
الولد رد :
( لا يا أبي دع زملائي يخرجون أولاً ، لأني أعرف أنك ستخرجني مهما كان الأمر ؛ أعلم أنك ستكون دائماً هنا من أجلي ⁦) .

_ يقول الأديب ” شارلز ديكينز ” :
( الوعد إذا كُسر لا يُصدر صوتاً ؛ بل الكثير و الكثير من الألم). كلمة ” سوف اتيك ” وعد .. كلمة ” أنا معاك و لن اتركك ” وعد .. كلمة ” سوف أعمل كذا أو أعمل كذا ” ( وعد )
_ الشاعر والكاتب عبد الرحمن الشرقاوي قال :
( إن الرجل هو الكلمة ) .. الوعد كلمة ؛ و الكلمة شرف.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Adblock Detected

Please consider supporting us by disabling your ad blocker